ابن عجيبة
335
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( بغيا ) : مفعول له ، علة للاختلاف . يقول الحق جل جلاله : وَمَا اخْتَلَفَ اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي : من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته ، وأن الدين عند اللّه هو الإسلام ، فجحدوه ظلما وحسدا . أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام ؛ فأثبته قوم ، وقال قوم : إنه مخصوص بالعرب ، ونفاه آخرون مطلقا ، إلا من بعد ما ثبت لهم العلم بصحته وعموم الدعوة له . أو في التوحيد ؛ فثلث النصارى ، وقالت اليهود : عزيز ابن اللّه ، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا . وقال الربيع : إن موسى عليه السّلام لما حضره الموت ، دعا سبعين حبرا من قومه ، فاستودعهم التوراة ، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة ، وهم : الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين ، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف . وذلك من بعد ما جاءهم العلم ، يعنى بيان ما في التوراة ، ( بغيّا بينهم ) أي : طلبا للملك والرئاسة والتحاسد ، فسلط عليهم الجبابرة ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله ، أو الدالة على وحدانيته ، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ؛ لا يشغله شأن عن شأن ، وفيه تهديد لأهل الاختلاف . الإشارة : الاختلاف على الصوفية ، والإنكار عليهم ، إن كان بغيا وحسدا وخوفا على زوال رئاسة المنكر ، فهذا معرض لمقت اللّه ، فقد آذن بحرب اللّه ، وباله سوء الخاتمة ، والعياذ باللّه ، وفي ذلك يقول القائل : هممهم تقضى بحكم الوقت * منكرهم معرّض للمقت وإن كان غيرة على الشريعة ، وسدّا لباب الذريعة ، فهذا معذور أو مأجور إن صح قصده ، وهو منخرط في سلك الضعفاء ، قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ولا ينكر على الفقير إلا المحرّم المجمع على تحريمه ، وليس فيه تأويل ، كالزنى بالمعينة ، واللواط ، وشبهه ، والمؤمن يلتمس المعاذر ، والمنافق يلتمس العيوب ، وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم بيّن الحق تعالى الدواء في أذى المنكر ، وهو الإعراض عنه ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 20 ] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) قلت : ( ومن اتبعن ) ، عطف على فاعل ( أسلمت ) ؛ الضمير « 1 » .
--> ( 1 ) أي : التاء في أسلمت .